الأحد , 5 أبريل 2020
الرئيسية / مقالات / الاتفاق السياسي الليبي وضرورة إعادة صياغته

الاتفاق السياسي الليبي وضرورة إعادة صياغته

الملخص التنفيذي

لقد أفضى الاتفاق السياسي الليبي الذي وُقّع في الصخيرات في المغرب في كانون الأول/ديسمبر 2015 إلى إعادة تشكيل الصراع الداخلي أكثر مما أسهم في تسويته. قبل عام من الزمن، كان الصراع دائراً بين برلمانين متنافسين والحكومتين المرتبطتين بهما. أما اليوم فإن الصراع يدور بين مؤيدي الاتفاق ومعارضيه، حيث يضم كل طرف منشقين عن المعسكرين الأصليين، وكلا الطرفين مسلح تسليحاً ثقيلاً. لم يعد من الممكن تنفيذ خارطة طريق الاتفاق، المتمثلة في أن من الممكن لحكومة تصريف أعمال تمثل البرلمانين وحلفائهما إرساء نظام سياسي جديد وإعادة إدماج الميليشيات، دون تغيير. ثمة حاجة لمفاوضات جديدة يشارك فيها بشكل خاص اللاعبون الأمنيون الرئيسيون الذين لم يشاركوا في مؤتمر الصخيرات لمنح حكومة الوحدة الوطنية قاعدة أكثر توازناً.

سعى اتفاق الصخيرات إلى تسوية النزاع بين مجلس النواب والحكومة المرتبطة به، ومقرهما على التوالي في المدينتين الشرقيتين طبرق والبيضاء، والمؤتمر الوطني العام وحكومته في طرابلس. أنشأ الاتفاق مجلساً رئاسياً كان عبارة عن سلطة تنفيذية ضعيفة تولت مهامها في طرابلس في آذار/مارس 2016 وكلفت بتشكيل حكومة وحدة وطنية وأيضاً تشكيل المجلس الأعلى للدولة الذي يتكون من أعضاء سابقين في المؤتمر الوطني العام. ونص على أن يستمر مجلس النواب بوصفه البرلمان الوحيد وأن يصادق على حكومة الوحدة الوطنية، لكنه لم يفعل ذلك حتى الآن. وهكذا فإن البنية المؤسساتية لم تكتمل، ما أفضى إلى نتيجة مشوهة، في الوقت الذي يتمسك مؤيدو الاتفاق وخصومه باعتبارات تقنية قانونية لدعم مواقفهم.

يسعى اللاعبون العسكريون لبسط نفوذهم من خلال فرض أمر واقع يهدف إلى تحسين مواقعهم التفاوضية وفرض أنفسهم كل في معسكره. في الفترة الواقعة بين شباط/فبراير وأيلول/سبتمبر، تمكنت قوات الفريق خليفة حفتر، الذي يرفض الاتفاق، من إخراج خصومها من بنغازي والاستيلاء على جزء كبير من “الهلال النفطي” في خليج سرت، مع إنتاجه من النفط والغاز، ومنشآت تكرير وتصدير النفط. في هذه الأثناء، تمكن تحالف يجمع ميليشيات في غرب ليبيا ويعمل اسمياً تحت سلطة المجلس الرئاسي، وبدعم جوي أمريكي، من الاستيلاء على معظم سرت، وهي المدينة التي استولى عليها تنظيم الدولة الإسلامية في آذار/مارس 2015. هناك احتمال بأن تقوم بعض القوات الموجودة في سرت، وبمساعدة من آخرين في غرب ليبيا، بمتابعة التقدم شرقاً والاصطدام مع قوات حفتر في الهلال النفطي، أو أن تسعى قوات حفتر إلى التحرك غرباً باتجاه طرابلس. يتمثل الأثر الكلي لهذه التحركات في تعمق الانقسامات. كما أن حقيقة أن المجلس الرئاسي، بصفته سلطة تنفيذية مؤقتة، لم يحقق تقدماً كبيراً في معالجة القضايا اليومية مثل أزمة السيولة النقدية وانقطاع المياه والكهرباء تؤدي إلى مزيد من انعدام الثقة.

اللاعبون الخارجيون الذين دفعوا باتجاه التحركات الدبلوماسية وأبرزوا دعمهم لاتفاق الصخيرات هم أيضاً لا يقلّون انقساماً عن الليبيين أنفسهم. مجموعة من الدول الغربية في معظمها، بقيادة الولايات المتحدة، تدعو إلى تقديم الدعم غير المشروط للمجلس وتعترف بحكومة الوحدة الوطنية التي شكّلها. نظراً لمنح هذه المجموعة الأولوية لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية وضبط تدفقات المهاجرين واللاجئين، فإنها تفضل الاستمرار في خارطة طريق الصخيرات دون مجلس النواب إذا دعت الضرورة، مراهنة على أنه إذا تحسنت الحوكمة في الجزء الغربي من ليبيا أولاً، فإن الجزء الشرقي يمكن أن ينضم إليها في المحصلة. غير ان صمود حفتر قوّض تلك الفرضية.

مجموعة أخرى، تقودها مصر، والإمارات العربية المتحدة وروسيا، تعطي الأولوية لوحدة ما تبقى من الجيش (خصوصاً “الجيش الوطني الليبي” بقيادة حفتر) بوصفه نواة لجيش مستقبلي وتعبّر عن قلقها من النفوذ الذي يمكن للميليشيات الإسلامية المسيطرة على طرابلس أن تتمتع به على المجلس. لقد قدمت له هذه المجموعة الدعم السياسي والعسكري السري والعلني، كما فعلت فرنسا أيضاً على أساس من محاربة الإرهاب. هذه المجموعة، المهتمة ظاهرياً بإيجاد حل للانقسامات التي تعاني منها ليبيا، تدعم عملية السلام علناً، لكنها تقوّضها ولا تقدم بديلاً ملموساً لها.

تبدو إمكانية تحقيق أهداف اتفاق الصخيرات، المتمثلة في تجنب المزيد من المواجهات العسكرية ومنع الانهيار المالي، بعيدة بشكل متزايد. ثمة مخاطرة في أن العقبة التي يشكلها تنظيم الدولة الإسلامية في سرت سيتبعها قتال بين المجموعات غير الجهادية للسيطرة على النفط والغاز، ما يرجح تأجيل قدرة ليبيا على زيادة صادراتها ويعرض آفاق تحقيق السلام للخطر على نحو أكبر. على المدى الأبعد، فإن فشل عملية السلام وتصاعد الصدامات من شأنها أن تعطي المجموعات الراديكالية فرصة لتجميع قواها. وبالتالي فإن الأولوية القصوى والعاجلة تتمثل في منع انفجار العنف الذي يبدو أن احتمالاته تتعاظم في خليج سرت، وبنغازي وربما في طرابلس. يمثل تجنب مواجهات جديدة في الهلال النفطي أولوية ملحة على نحو خاص، إضافة إلى التوصل إلى اتفاق تسمح القوات الموجودة هناك بموجبه للمؤسسة الوطنية للنفط بإصلاح المنشآت المتضررة واستئناف عمليات التصدير، بموجب القانون الليبي وقرارات الأمم المتحدة.

إضافة إلى ذلك، يجب إعادة صياغة عملية السلام المجمدة. ينبغي أن تتوقف محاولات تنفيذ اتفاق الصخيرات دون موافقة مجلس النواب واستبعاد حفتر. وعلى نحو مماثل، على داعمي الاتفاق الضغط على حفتر كي يشارك في المفاوضات. على الطرفين أن يقدما التنازلات، خصوصاً فيما يتعلق بالمسائل الأمنية. على المجلس الرئاسي أن يفعل المزيد لتطمين المنطقة الشرقية بأنه يعمل من أجل الجميع، وليس فقط من أجل المنطقة الغربية، وأن يستأنف المحادثات بشأن حكومة الوحدة الوطنية مع مجلس النواب.

لن يتحقق الكثير من التقدم دون إشراك اللاعبين العسكريين الأكثر أهمية في الحوار. إن التوصل إلى تسوية حول بنية القيادة وعلاقة هؤلاء اللاعبين بالمجلس الرئاسي يشكل مقدمة ضرورية لمعالجة القضايا الأوسع المتمثلة في نزع السلاح، والتفكيك وإعادة الإدماج. إن تصنيف طرف واحد بأنه “الجيش الشرعي” لا يعالج الواقع الهجين للقوى العسكرية؛ حيث إن معظم المجموعات المسلحة تدعي ارتباطها بإحدى مؤسسات الدولة في الوقت الذي تستمر فيه بالعمل بوصفها ميليشيا.

ينبغي أن يدفع احتمال تداعي ليبيا الجميع إلى التوقف، خصوصاً البلدان المجاورة لها والتي تتسم بقدر من الهشاشة. على اللاعبين الإقليميين والدوليين المشاركين في العملية الدبلوماسية المتعلقة بليبيا الاتفاق على أهداف مشتركة، والدفع نحو إعادة التفاوض بشأن الاتفاق، واستخدام نفوذهم لضبط الأطراف المتحاربة ودفعها نحو حل سياسي والمشاركة في مسار أمني. وبشكل خاص،

    • على المجلس الرئاسي وحلفائه عدم الاستيلاء على منشآت خليج سرت؛ وعلى مجلس النواب وقواته عدم التحرك نحو الغرب؛ كما أن على الداعمين الخارجيين للطرفين الدفع بقوة نحو تجنب التصعيد.
    • على قوات الفريق حفتر الوفاء بالتزاماتها بأن تبقي جميع منشآت انتاج وتصدير النفط والغاز في سرت تحت سيطرة المؤسسة الوطنية للنفط بموجب القانون الليبي وقرارات الأمم المتحدة.
    • على المجلس الرئاسي أن يتفاوض مع مجلس النواب على تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة، وإشراك المنطقة الشرقية والآراء المعبرة عنها ومعالجة القضايا الملحة بالنسبة لليبيين العاديين، مثل الكهرباء، والسيولة المصرفية والرعاية الصحية.
    • على الأمم المتحدة والدول الداعمة للمسار الدبلوماسي التشجيع على توفير مجال لحفتر والمجموعات المسلحة الرئيسية في الغرب لمناقشة التراجع عن التصعيد في خليج سرت، وبنغازي ومناطق أخرى. كجزء من هذا المسار الأمني، عليهم أيضاً الشروع في محادثات حول الترتيبات التي يمكن أن تكون جزءاً من اتفاق أوسع.
  • على الدول المجاورة، والولايات المتحدة، وروسيا، والدول الأوروبية، وتركيا، وقطر والإمارات العربية المتحدة، بالتعاون مع الأمم المتحدة، المساعدة على صياغة النتائج واحتواء الأطراف المعطلة وذلك بتجديد جهودها لتحقيق التوافق بين طموحاتها، استناداً إلى القضايا التي توافق عليها أصلاً، مثل استخدام صادرات النفط والغاز لتحقيق الاستقرار الاقتصادي؛ وإيجاد سلسلة قيادة موحدة للجيش في إطار بنية أمنية موحدة؛ وسلامة أراضي البلاد، ومواجهة تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة.

مع حدوث تحولات مرعبة على نحو متزايد في الأوضاع، يسعى اللاعبون الخارجيون – بعضهم، مثل فرنسا، الضالعة في هذه العملية منذ وقت طويل؛ وآخرين، مثل السعودية، التي نشطت مؤخراً – لإعادة إحياء عملية الصخيرات بشكل أو بآخر. إن فهم الأخطاء التي حدثت من شأنه أن يصحح تلك الأخطاء، وهو أمر ضروري ويمثل أفضل أمل لإنقاذ الاتفاق.

طرابلس/بروكسل، 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2016

شاهد أيضاً

ليبيا تعلن عن أول حالة وفاة بفيروس كورونا

أعلن المركز الوطني لمكافحة الأمراض، الخميس، عن تسجيل أول حالة وفاة بسبب فيروس كورونا في …