السبت , 4 ديسمبر 2021
الرئيسية / مقالات / مهجرو تاورغاء في العراء

مهجرو تاورغاء في العراء

ستة أيام مرت على أهالي مدينة تاورغاء وهم في عراء الصحراء، من دون أن يتمكّنوا من العودة إليها رغم وعود حكومة الوفاق، التي أعلنت الأول من الشهر الجاري موعداً لبدء العودة بعد تهجير استمر نحو سبع سنوات. أزمة تاورغاء الإنسانية تشعبت ما بين إصرار الأهالي على العودة، وبين تحولها إلى قضية تجاذب سياسي جعل منها تحدياً جديداً لحكومة الوفاق. آخر تصريحات وزير النازحين والمهجرين يوسف جلالة، أكدت أن الحكومة مصرة على تنفيذ الاتفاق الموقع بين مدينتي تاورغاء ومصراته وبدء عودة المهجرين، مشيراً إلى أن مفاوضات تجري منذ أيام مع مسلحين من مصراته للسماح بتنفيذ الاتفاق، مرجحاً أنها ستؤدي إلى نتائج إيجابية خلال وقت قريب.

وحصلت “العربي الجديد” على صور تظهر عائلات وقد نصبت خياماً في العراء، ما يشير إلى إصرارها على العودة رغم الظروف السيّئة التي تعيشها. صور أخرى تظهر مسلّحين على متن سيارات مسلحة تعترض طريق عودة المهجّرين. وبحسب مصادر عدة، فإن هؤلاء تابعون لمجموعات مسلحة في مصراته ترفض عودة الأهالي، بدعم من أعيان ومسؤولين في المدينة كانوا قد أصدروا بيانات تؤكد على ضرورة تنفيذ الاتفاق. واتهموا حكومة الوفاق بخرق الاتفاق وعدم الالتزام ببنوده التي تنص على تعويض أهالي مصراته وجبر الضرر إضافة إلى إعادة أهالي تاورغاء إلى مدينتهم.

وعرفت تاورغاء، التي يقطنها 30 ألف نسمة، والواقعة شرق مصراته على بعد نحو 40 كلم، بموقفها المؤيد لكتائب القذافي التي حاصرت مصراته خلال عام 2011، كونها أبرز المدن المنتفضة على حكمه. وإثر سقوط نظام القذافي، أقدم ثوار مصراته على تهجير كل سكان تاورغاء معتبرين أنها ميتة ويجب أن تذهب مع ذهاب النظام، ليعيش أهلها مهجرين مدة سبع سنوات في مدن عدة، قبل أن تقنع حكومة الوفاق قادة مصراته بالموافقة على عودتهم إلى مدينتهم، وتوقيع اتفاق في أغسطس/ آب في عام 2016. لكنّ تنفيذ الاتفاق تأخر بسبب استمرار الاجتماعات بين ممثلي المدينتين. وجددت الحكومة مطالبها بتنفيذ الاتفاق من خلال المصادقة عليه في يونيو/ حزيران الماضي، على أن يكون الأول من فبراير/ شباط الجاري موعداً لبدء العودة.

استمرار معاناة الأهالي جعل قضيتهم تتحول إلى حلبة للتجاذبات السياسية. معارضو حكومة الوفاق في مصراته، وغالبيتهم من مجلس الحكماء وأعيان المدينة، اتهموا الحكومة باستغلال قضية تاورغاء للدعاية السياسية مع اقتراب موعد الانتخابات، مؤكدين أن الحكومة تجاوزت الكثير من المواد المتفق عليها في الاتفاق، والتي تنص على ضرورة جبر الضرر بالنسبة لمصراته، واعتذار تاورغاء عن موقفها السابق، وصولاً إلى المادة الأخيرة التي تنص على موافقة مصراته على عودة التاورغائيين إلى مدينتهم.

من جهته، حمل مجلس النواب في طبرق حكومة الوفاق مسؤولية أمن المهجرين الذين تعرضوا لمضايقات مسلحي مصراته والترويع من خلال إطلاق النار بشكل عشوائي في محاولاتهم للتقدم نحو مدينتهم. واتهم النواب حكومة الوفاق باستغلال قضية تاورغاء الإنسانية، لافتين إلى أن عدم تمكن الحكومة من إنجاز وعدها يؤكد عدم سيطرتها الفعلية على مناطقها غرب البلاد.

في الرابع والعشرين من الشهر الماضي، رافقت “العربي الجديد” برنامج فتح المسارات والطرقات المغلقة في المدينة التي أشرف عليها وزير الحكم المحلي في حكومة الوفاق بداد قنصو، في خطوة دلّت على جدية الحكومة وبدء عودة النازحين. إلا أن مسؤولي المجلس البلدي للمدينة أصروا على تأجيل الزيارة لـ”أسباب خاصة”. لكن من بعيد، بدا أنّه يمكن وصفها بـ”مدينة أشباح”.

كانت الجرافات تزيل الأنقاض التي أغلقت منافذ المدينة الرئيسية قبل سبع سنوات (من قبل كتائب ثوار مصراته). بدت المباني عن بعد مهدمة بغالبيتها أو متضررة بفعل القذائف. قنصو الذي حمل على عاتقه إنهاء الملف، كان قد أكد أن العمل جار، وأن أول أسبوع من شهر فبراير/ شباط سيشهد عودة أول أفواج الأهالي. أضاف لـ”العربي الجديد”، أن “الوزارة وضعت خططاً محكمة يجري تنفيذها لإعادة الأهالي على مراحل، بالتوازي مع إعادة الإعمار”. أضاف أن “أساسيات البنى التحتية ما زالت موجودة، ما سيوفر علينا الكثير. ويمكن إعادة ترميم الكهرباء بسهولة، كما أن إمدادات المؤن والمواد الأساسية ستصل في المراحل الأولى”. وأشار إلى أن وزارات كالتعليم والداخلية تعمل ضمن جهودها لإعادة فتح المدارس ونشر فرق أمنية.

إلى ذلك، يسأل م. هريكا، أحد سكان المدينة: “ما فائدة العودة مع بناتي فقط؟ فقدت ولديّ في سجون مصراته بسبب التعذيب الجائر من دون محاكمة. الآن أنا في عمر السبعين، وقد هدم بيتي بالكامل”. ما قاله هريكا يعكس جراحاً أخرى لا تندمل بالعودة، إذ إن عائلات كثيرة فقدت أبناءها في السجون. مواطن آخر يدعى سلامة رقيعة، يقول: “أخيراً، وجد تيار في مصراته يدفع نحو التصالح، وقد تمكن من إقناع السجانين بإطلاق سراح العشرات على دفعات. لكن الجرح الغائر بسبب فقدان آخرين قد يراكم المشاكل بين المنطقتين”. ويؤكد أن التئام شمل الأهالي بعد فراق وشتات ربما يساهم في تخفيف تلك الجراح والمآسي.

وبحسب بيانات بعض المنظمات الدولية، تعيش المدينة كارثة حقيقية. وأشار تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” مطلع الشهر الماضي، إلى تدمير 25 مدرسة بالكامل ومعهدين للتعليم المتوسط في المدينة، موضحاً أن إعادة إعمارها من جديد تتطلب 11 مليون دولار. حتى أن مؤسسات خدماتية أخرى، على غرار المصارف والمقار الإدارية والمراكز الصحية وأقسام الشرطة، تحتاج إلى إعادة ترميم.

ويبدو أنّ هناك تخوفاً لدى المسؤولين المحليين في المجلس الذين رفضوا الحديث عن مشروع العودة. يقول أحدهم: “لم نصدق أنه تمت الموافقة على عودة أهلنا. لذلك لا نريد أن نفسد الأمر بأي حديث للإعلام. أرجو تفهم وضعنا الصعب جداً”.

ويوم الخميس الماضي، تجمعت عشرات العائلات وقد اقتربت من مشارف المدينة للعودة تنفيذاً لوعود الحكومة، لتصطدم بمعارضة جهات من داخل مدينة مصراته رفضت عودتهم بسبب مطالب تنفيذ الاتفاق كاملاً.

شاهد أيضاً

جريدة «الوسط»: القضاء في قلب «عاصفة» الطعون

خطفت معارك الطعون والاستئناف بين مرشحي الرئاسة أنظار الليبيين، وامتُحنت خلالها قدرة العملية الانتخابية على …