الأحد , 24 أكتوبر 2021
الرئيسية / مقالات / دستور ليبيا رهينة صراع طرابلس وطبرق… وطموحات حفتر

دستور ليبيا رهينة صراع طرابلس وطبرق… وطموحات حفتر

وصلت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ليبيا إلى مرحلة التمهيد الفعلي على مستوى الأطراف كلها في الشرق وفي الغرب، بعدما بدأ الخلاف الفرنسي الإيطالي يسير باتجاه الحلّ، لا سيما بعد انتهاء زيارة وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، لليبيا أخيراً، بهدف دعم “إعلان باريس” الموقّع نهاية مايو/ أيار الماضي، والدفع به باتجاه التطبيق. واختفت نسبياً الأصوات الخارجية المشوشة على خيار إجراء انتخابات نهاية العام الحالي كحلّ للأزمة، لكن ماذا عن مواقف الأطراف الداخلية؟ بل لماذا تمّت عرقلة هذا الاستحقاق المقرّر وفق الإعلان الدستوري أصلاً مدعوماً بقرار للبعثة الأممية التي أعلنت منذ قرابة العام عن ضرورة إجراء انتخابات جديدة لحلّ الأزمة المستعصية منذ سنوات؟

لعلّ مواقف بعض الأطراف الداخلية التي التقاها لودريان، كشفت عن جزء من صورة العراقيل التي تواجه مرحلة الانتخابات. ففي وقت أكّد فيه الوزير الفرنسي على ضرورة أن يفي مجلس النواب (طبرق) بإنجاز مهمته المتعلقة بإصدار قانون للاستفتاء على الدستور كـ”أساس قانوني لإجراء الانتخابات”، فوجئ الجميع بإعلان مجلس النواب عن عقد جلسة، يوم الاثنين المقبل، للتصويت على قانون الاستفتاء. كما برزت من جانب آخر، اشتراطات الأطراف الأخرى، تحديداً في غرب البلاد، تعبيراً عن مخاوف كشفها رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، وقادة مصراته أمام لودريان أثناء لقائهم به.

وأفصح المشري للودريان، بحسب المكتب الإعلامي للمجلس الأعلى، عن مخاوفه من “عجز مجلس النواب عن جمع أعضائه المائة والعشرين في نصاب قانوني لإصدار قانون الانتخابات”، بالإضافة إلى مخاوف من “عدم قبول بعض الأطراف (التي لم يسمها) بنتائج الانتخابات”، لتشكّل تلك الهواجس عرقلة للانتخابات قبل إجرائها وبعده. لكنّ ممثلي التجمّع السياسي في مصراته كانوا أشدّ وضوحاً من خلال اشتراطهم الاستفتاء على مشروع الدستور وإقراره قبل إجراء الانتخابات، ليكون أساساً لها.

وبالعودة لمقررات إعلان باريس، يتبيّن أنّ الأطراف الليبية اتفقت على ضرورة توفير قاعدة دستورية تتمثّل في الاستفتاء على مشروع الدستور في موعد أقصاه 16 سبتمبر/ أيلول المقبل، قبل الوصول إلى مرحلة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 10 ديسمبر/ كانون الأوّل المقبل.

قانون الاستفتاء في نفق مجلس النواب

توقّف مشروع الدستور الذي صوّت عليه أعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور في 29 يوليو/ تموز 2017 بأغلبية 43 عضواً من بين 60 عضواً هم كامل أعضاء الهيئة، بسبب تذرّع مجلس النواب بأنّ المحاكم هي التي تنظر في أعمال الهيئة التأسيسية، على خلفية عريضة قضائية قدمتها كتلة مؤلفة من نواب وأعضاء في الهيئة التأسيسية لمحكمة بنغازي، تعترض على مشروعية عقد جلسة الهيئة للتصويت على المشروع. وبعد فصل محكمة بنغازي في الدعوى في يناير/ كانون الثاني الماضي، بعدم ولاية القضاء على أعمال الهيئة بحكم كونها “هيئة أنشئت بانتخابات مباشرة من الشعب لتأسيس هياكل جديدة للسلطة”، تذرّع النواب بأنّ حكم المحكمة هو مبدئي “لا قيمة له”. ثمّ عاد مجلس النواب ليتذرّع بأنّ المحكمة العليا في البلاد، المحالة إليها دعاوى جديدة حول أعمال الهيئة، “لم تصدر حكمها بعد”. وبعد فصل المحكمة العليا، منتصف فبراير/ شباط الماضي، في القضية بالتأكيد على “عدم ولاية القضاء على أعمال هيئة الدستور”، تذرّع المجلس مجدداً بـ”ملفات طارئة وعاجلة” استجدت في البلاد.

وفي مطلع مارس/ آذار الماضي، بادر المجلس الأعلى للدولة لإصدار قانون للاستفتاء والموافقة عليه وإحالته لمجلس النواب للتصويت عليه، بحكم كونه جسماً سياسياً شريكاً لمجلس النواب، وفق مواد الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات نهاية 2015، التي تؤكّد تشارك المجلسين في إصدار القوانين. لكنّ أعضاءً من مجلس النواب أعلنوا عدم اعترافهم بمقترح مجلس الدولة، في تصعيد سياسي جديد، قائلين إنّ مشروعاً للقانون جاهز للعرض في جلسة مرتقبة للنواب. لكنّ تلك الجلسة لم تتقرّر بشكل رسمي حتى زيارة لودريان في الأيام القليلة الماضية لطبرق ولقائه برئيس المجلس، عقيلة صالح، الذي يبدو أنّه تعرّض لضغط فرنسي، محدّداً غداً، الاثنين، موعداً للتصويت على القانون، وسط تصريحات فردية لبعض النواب، تشير إلى إمكانية استمرار الاعتراضات والعراقيل.

أسباب عرقلة إقرار الدستور

بصرف النظر عن اعتراضات طيف من المكونات الليبية، لا سيما التبو والأمازيغ، عبر تأكيدهم المستمرّ على عدم مشاركتهم في التصويت على الاستفتاء على مشروع الدستور، كونه مجحفاً في حقهم ولم يحقق مطالب “حقوق الأقليات الثقافية”، وبصرف النظر عمّا أبداه قانونيون متخصصون من اعتراضات على شكل صياغة مواد مشروع الدستور وتجاهل حقوق شرائح مجتمعية كالشباب والمرأة، فلا يبدو أنّ أسباب الكتلة المعترضة (وهم نواب جمعهم الولاء لخليفة حفتر ومشروعه العسكري) المتشددة في معارضتها لتمرير الدستور بشكله الحالي، تقف عند الأسباب ذاتها.

وحاولت “العربي الجديد” الوقوف عن قرب على مواقف معارضي مشروع الدستور ومؤيديه. وفي هذا الإطار، اتهم عضو المجلس الأعلى للدولة في طرابلس، عمر أبو شاح، مجلس النواب بـ”المماطلة في تمرير الدستور للشعب ليقول رأيه”، معتبراً في حديث مع “العربي الجديد”، أنّ “النواب يصرّون على عدم الاعتراف بالاتفاق السياسي الذي يؤكّد حقّ مجلس الدولة في التشارك معهم في صياغة قانون الاستفتاء، وبالتالي هو شكل من أشكال المماطلة”. وأكّد أبو شاح أنّ الهدف “إطالة المرحلة الانتقالية وعدم السماح للبلاد بالمرور للمرحلة الدائمة على أساس دستور دائم”.

مقابل ذلك، رفض المتحدّث باسم مجلس النواب (طبرق)، عبد الله بليحق، الاتهام، قائلاً: “المجلس توقّف بسبب وجود قضايا للنظر فيها أمام القضاء حول مشروع الدستور، وعند صدورها باشر في مناقشة قانون للاستفتاء”، مشيراً إلى أنّ “التأخّر جاء بسبب مطالب النواب بدراسة القانون مادة تلو الأخرى لأهميته الكبيرة”.

وتابع بليحق في حديث مع “العربي الجديد”، أنّ “المجلس استجاب لمطالب الاستفتاء على الدستور أخيراً حتى لا يتذرّع أحد بأنّ المجلس يعرقل المسار السياسي كما هي العادة، وفي ذلك تجاوز رأي طيف نيابي كبير يرى أنّ هذا الدستور معيب وتأثّر بشكل كبير بالتجاذبات السياسية، ما يعني أنّه سيولّد استمرار الأزمات والتناحر”، مؤكداً أنّ القانون “مصيره مرتبط بالتصويت عليه”.

لكن أبو شاح رأى أنّ التأخّر حتى اقتراب موعد الانتخابات “متعمّد”. وقال إن “الاستفتاء على الدستور ومن ثمّ إقراره، يحتاج وقتاً أطول من الوقت المتبقي لموعد الانتخابات في ديسمبر المقبل، ما يعني تأجيل الانتخابات حتى منتصف العام المقبل على الأقل، وبالتالي استمرار القيادات الحالية في مواقعها”. وأشار إلى أنّ تجاوز الدستور كأساس للانتخابات المقبلة، وإقرار قوانين انتخابية مؤقتة بدلاً منه، يعني استمرار المرحلة الانتقالية، وهو ما يضمن وجود الأطراف القديمة ذاتها حتى ولو كانت بوجوه أخرى”.

وبعيداً عن تلك التهم والردود، يبدو أنّ هناك أسباباً أعمق من الظاهر، عكسها مسار عمل هيئة صياغة الدستور، ومواد داخل مشروع الدستور. فبعد قرابة العام والنصف من بدء عمل هيئة صياغة الدستور، ووسط تشظّي مواقف أعضائها التي انتهت بتعليق بعضهم لعضويته وانسحاب آخرين، كممثلي أقليات الأمازيغ والتبو، قرّرت رئاستها تكوين لجنة عرفت بـ”لجنة التوافقات”، لكنها واجهت مشاكل استجدّت مع نهاية عام 2016، تتعلّق بمواد الحكم وشكل الدولة وشروط الترشّح للمناصب السياسية، مقابل تراجع كبير في الحديث عن المشاكل السابقة المتعلقة بحقوق الأقليات وشرائح الشباب والمرأة.

وإثر وصول لجنة التوافقات إلى شبه إجماع على “مسودة رابعة” لمشروع الدستور مطلع العام الماضي، اشتكى أعضاء في الهيئة في تصريحات لوسائل الإعلام، من تعرّض اللجنة لضغوط من أجل تمرير عدد من النقاط في المسودة. ويبدو من خلال تلك التصريحات، أنّها فُصِّلت لترضي طموحات رجل عسكري بعينه، إذ من بين تلك النقاط عدم تحديد زمن معين لاستقالة العسكري من وظيفته قبل الترشّح إلى منصب سياسي. لكن أغلبية أعضاء اللجنة تمكّنوا وقتها من تمرير المسودة التي قرّرت بالإضافة لإغلاق الباب بشكل نهائي أمام العسكريين للترشّح إلى منصب سيادي، فضلاً عن المناصب السياسية، وفق المادة 178، قرّرت أيضاً ضرورة تخلّي مزدوجي الجنسية عن الجنسية الأجنبية قبل عام من تاريخ الترشّح.

وإثر تمكّن لجنة التوافقات بدعم من رئاسة الهيئة من تثبيت تلك المواد، والإعلان في يونيو/ حزيران من العام الماضي عن موعد التصويت على المسودة داخل مقر الهيئة بنهاية يوليو/ تموز، استبق رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، الموعد بالمطالبة بـ”حلّ الهيئة كون مدتها القانونية انتهت”. لكنّ مطالبه ووجهت باعتراض الهيئة التي أكدت في بيان، أنّ “إنهاء الهيئة المنتخبة وإنشاء جسم بديل بموجب التعيين، هو تعدٍ على إرادة الشعب الذي انتخب ممثليه فيها”. وذهبت الهيئة في بيانها أبعد من ذلك، متهمةً بشكل صريح صالح بأنّه يقف وراء “تيار يمارس الضغط على الهيئة لفرض نظام حكم معيّن للدولة، مستخدماً في ذلك كل الوسائل للإطاحة بالهيئة”.

ويبدو أنّ تصريحات النائب زياد دغيم، المتشدّد في ولائه لحفتر، تكشف حقيقة تلك التهم. ففي تصريح صحافي تعليقاً على تمكّن الهيئة من التصويت على مشروع الدستور نهاية يوليو، قال دغيم: “كيف نقبل بدستور يضع موانع ضدّ حقوق أشخاص وتحديداً ضد القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر، ويمنعه من حقه في الترشّح للانتخابات الرئاسية”. وحاول حفتر استباق صدور مشروع الدستور بخطوة مفاجئة بقبوله بالاتفاق السياسي إثر لقائه بفائز السراج، رئيس حكومة الوفاق، في أبوظبي مطلع مايو/ أيار من العام الماضي، لكنها على ما يبدو كانت محاولة للالتفاف على نتائج الدستور، الوثيقة الجديدة التي ورثت الاتفاق السياسي، في سلسلة العقبات التي تواجه طموح حفتر.

شاهد أيضاً

تخوف تونسي من تسلل المرتزقة إلى دول جوار ليبيا عبر قنوات الهجرة

طالب وزير الخارجية التونسي عثمان الجرندي، بجدول زمني واضح لسحب المرتزقة من ليبيا، بهدف منع …