الخميس , 4 مارس 2021
الرئيسية / مقالات / MEE: جثث وألعاب ملغمة.. مخاطر تطهير طرابلس من الألغام

MEE: جثث وألعاب ملغمة.. مخاطر تطهير طرابلس من الألغام

نشر موقع “ميدل إيست أي” البريطاني، تقريرا تناول فيه مخاطر تطهير طرابلس من الألغام التي خلفتها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في جنوب العاصمة، بعد الحملة الفاشلة التي شنها ضد قوات الوفاق الليبي.

ونشر الموقع تفاصيل بهذا الشأن، لا سيما خطورة تفخيخ قوات حفتر لألعاب الأطفال، ما يهدد بقتل العديد منهم في حال عودة الأهالي إلى بيوتهم بعد أن نزحوا عنها بسبب حملة حفتر.

ونقل الموقع عن مسؤولين قولهم: “هدفنا هو تطهير المنطقة (من الألغام) حتى يتمكن الناس من العودة إلى بيوتهم”.

وغدت ضواحي طرابلس في نيسان/ أبريل من عام 2019، الجبهة الأمامية بعد أن أخفق حفتر في قتاله للاستيلاء على العاصمة الليبية وانتزاعها من حكومة الوفاق الوطني.

وتاليا النص الكامل للتقرير كما ترجمته “عربي21“:

تقرير دانيال هاميلتون من طرابلس

عندما يضغط العقيد ناجي الغربلي على الصاعق، يندفع الدخان والرمل متطايرا في الهواء، ويهز الأرض صوت انفجار يقلب الأمعاء.

وما إن يستقر الغبار، حتى تعود الوجوه التي تعلوها قسمات الفضول لتطل من جديد من وراء النوافذ متسائلة: هل تجاوزنا الخطر؟

وكان الغربلي، وهو مهندس عسكري، قد فجر لتوه قنبلة يدوية وجدت داخل فناء في عين زارة، إحدى ضواحي طرابلس الغربية التي مزقها الصراع.

يقول الغربي في تصريح لميدل إيست آي: “هدفنا هو تطهير المنطقة (من الألغام) حتى يتمكن الناس من العودة إلى بيوتهم”.

وما القنابل اليدوية سوى البداية؛ ذلك أن ضواحي طرابلس غدت في نيسان/ إبريل من عام 2019 الجبهة الأمامية، بعد أن أخفق القائد العسكري الزاحف من الشرق، خليفة حفتر، في قتاله للاستيلاء على العاصمة الليبية وانتزاعها من حكومة الوفاق الوطني.

على الرغم من أن قواته التي تسمى “الجيش الوطني الليبي” انهارت في حزيران/ يونيو 2020 وانسحب بما تبقى منها إلى الشرق، إلا أن الشوارع التي استخدمتها قوات حفتر ساحة للمعركة تركت في حالة يرثى لها من الدمار.

في أحياء مثل عين زارة وصلاح الدين في الجنوب، تُركت المحلات التجارية خاوية على عروشها بعد أن تعرضت للنهب والسلب، وقد تشوهت جدرانها الإسمنتية بما أصابها من ثقوب الشظايا وما أتى عليها من حرائق. يندر أن ترى زجاج نافذة لم يتحطم، وخلفت الحرائق صفوفا من أشجار النخيل التي أتت عليها، فغدت كما لو كانت أعمدة سوداء.

حتى عهد قريب، لم تكن الطرق المؤدية إلى تلك الضواحي سالكة، وقد تناثر فيها الركام وانتشرت على امتدادها الحواجز.

ورغم أن أصحابها ذهبوا، إلا أن أسماء مقاتلي الجيش الوطني الليبي ظلت مرسومة بالدهان على الجدران هي وأسماء المدن التي جاؤوا منها: طبرق، ترهونة، أجدابيا، بنغازي.

والأخطر من ذلك، آلاف الألغام والمتفجرات التي تركها الجيش الوطني الليبي، والتي يحاول العبور من خلالها المهندسون العسكريون التابعون لحكومة الوفاق الوطني وأهالي طرابلس.

يقول الغربلي: “نعمل بما يتوفر لدينا من معدات ضعيفة، ولدينا الكثير مما يتوجب عمله، ولكن علينا الاستمرار في الحركة، أيّا كانت الظروف.”

البيوت الملغمة

وكم هي ضخمة كميات المتفجرات التي تركوها من خلفهم، وكم هي كبيرة الأخطار التي تشكلها.

في الرابع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر، قتل طفل في العاشرة من عمره في انفجار لغم في حي وادي الربيع الجنوبي، فصار بذلك واحدا من أكثر من سبعين مدنيا لقوا حتفهم في حوادث مشابهة منذ شهر أيار/ مايو، وأصيب ما لا يقل عن 125 شخصا آخر بجراح بسبب الانفجارات، كثيرون منهم بترت أطرافهم.

في هذه الأثناء، قامت حكومة الوفاق الوطني التي دحرت قوات حفتر بفضل الدعم العسكري الذي حصلت عليه من تركيا، بإبطال ما يزيد عن خمسين طنا من المتفجرات التي وجدت في طرابلس خلال الشهور الستة الماضية. ومن بين هذه المتفجرات أفخاخ متفجرة وألغام، بما في ذلك لغم وضع داخل دمية “تيدي بير”.

كما وجدت قنابل يدوية مربوطة بأسلاك عثار داخل نباتات منزلية وتحت سلالم البيوت. وفي أحد البيوت تم العثور في غرفة جلوس أحد المنازل على علبة سجائر يونانية مربوطة بلغم ومتروكة تحت بطانية زهرية، لإغراء المدخنين واستدراجهم مبكرا إلى القبر.

ووضعت قوات الجيش الوطني الليبي ألغاما مضادة للدبابات، هيئت حتى تنفجر فيما لو حركها أحد من مكانها سواء.

في تصريح لموقع ميدل إيست آي، يقول العقيد عمر الرطب الذي يشرف على عملية التطهير: “التحديات كثيرة جدا، فقد وجدنا أفخاخا متفجرة حديثة جدا، بما يشير إلى أن عناصر من قوات حفتر كلفوا تحديدا بزرع هذه الألغام.”

لقي حتى الآن مهندسان عسكريان حتفهما وجرح خمسة عشر في أثناء عمليات التطهير التي تقوم بها حكومة الوفاق الوطني. ويعتقد بأن الألغام والأفخاخ الأكثر تعقيدا هي تلك التي زرعتها مجموعة واغنر، التابعة لمقاول عسكري على صلة بالكريملين استأجره حفتر.

يقول الرطب: “لست أدرى إن كان من حسن الطالع أم لا أن يواجه المرء أفخاخا زرعتها مجموعة واغنر أو أشخاص تلقوا تدريبا على يديها؛ فهي من ناحية أخطر بكثير، ولكن من ناحية أخرى لقد تعلمنا جميعا الكثير، وباتت لدينا خبرة أكبر الآن، وعندما تتعلم فإنك تلعب بالأرواح.”

إزالة الأسلحة

يتم بشكل مؤقت جلب الغالبية العظمى من العتاد، هذا إذا لم يتم تفجيره في الموقع، إلى قاعدة عسكرية في أكناف طرابلس.

هنا توجد أكوام من الصواريخ وعبوات قنابل الهاون والذخيرة من كل الأنواع ومنصات الصواريخ، بل وحتى قنابل تركية ذكية غير منفجرة من طراز “مام- إل”، وهي عبارة عن قنابل صغيرة موجهة بالليزر، من النوع الذي غالبا ما تكون قد قذفته واحدة من الطائرات المسيرة التركية الكثيرة التي قدمت لحكومة الوفاق الوطني.

وفي جردل، هنا توجد بقايا شظايا من رأس صاروخ عادة ما يكون من النوع الذي تطلقه طائرات هليكوبتر أو مدافع محمولة على سيارات، وهذه الرؤوس الحربية تنفجر عند الارتطام، وتنبثق منها قطع صغيرة متشابهة حجما.

في تصريح لاحق لموقع ميدل إيست آي، يقول مارك هيزني، مدير قسم السلاح في منظمة هيومان رايتس واتش: “لك أن تتخيل حالة الفوضى العارمة التي تنجم عن ذلك. كميات كبيرة من المعادن المتطايرة هنا وهناك.”

كثير من الأسلحة والذخائر التي خلفها الصراع بين الجيش الوطني الليبي وحكومة الوفاق الوطني تعود إلى حقبة القذافي، وتشتمل على قذائف مدفعية بريطانية الصنع وصواريخ فرنسية الصنع وألغام مضادة للدبابات بلجيكية الصنع.

كما تتراكم داخل المخزن صواريخ مضادة للدبابات من طراز كورنيت روسية الصنع، وأسلحة طوافة من حقبة القذافي من النوع الذي ما لبث أن تسرب من ليبيا إلى أيدي الفلسطينيين والسوريين. ومع ذلك، فإن كثيرا من الأسلحة والمعدات دخلت الساحة الليبية في الفترة الأخيرة.

عرض موقع ميدل إيست آي بعض الصور على هيزني، واشتملت على أنواع مختلفة من الألغام التي وجدت داخل طرابلس، فقال إنها كانت من صناعة روسية ولم تشاهد في البلاد، إلا حينما شن حفتر هجومه على العاصمة.

قال هيزني في حديثه لموقع ميدل إيست آي: “هذه ليست من مخلفات حقبة القذافي، وإنما مما جلبته واغنر من روسيا.”

طلب موقع ميدل إيست آي من الجيش الوطني الليبي التعليق، وسأله فيما إذا كانت قواته قد واجهت شيئا مشابها من قبل حكومة الوفاق الوطني، ولكنه لم يتلق ردا حتى موعد نشر هذا التقرير.

خطر ألغام

تشترك جميع المباني المقصوفة في ضواحي طرابلس في عبارة واحدة كتبت على جدرانها: “خطر ألغام”.

تلك إحدى الطرق التي لجأت إليها السلطات في محاولة لمنع السكان من العودة إلى منازلهم والمخاطرة بحياتهم قبل تطهير الأحياء من الألغام.

إلا أن سكان طرابلس، بطبيعة الحال، يتوقون إلى العودة إلى بيوتهم. وهناك منهم الكثير، والكثير جدا، فما يقرب من 150 إلى 200 ألف من سكان المدينة لايزالون نازحين بعد أن شردهم القتال.

كان هجوم حفتر خاطفا وشديد القسوة. وجد آلاف الليبيين أنفسهم فجأة وقد وقعوا في براثين القتال، بينما انهمرت الصواريخ والقذائف على أحيائهم من كل حدب وصوب.

يقول يحيى أحد سكان عين زارة: “بأمانة، كان الوضع مرعبا، فقد حدث بسرعة خاطفة”.

بمجرد انسحاب قوات الجيش الوطني الليبي، عاد يحيى إلى منزله، ورغم أن منزله كان خاليا من الألغام، إلا أن السماء أطلت عليه من خلال ثقبين كبيرين في سقف البيت. يقول يحيى في ذلك: “لقد بنيت هذا المنزل بنفسي، والآن سوف يكلفني إصلاحه ما لا يقل عن عشرة آلاف دولار”.

يقول اللواء سالم الفرجاني؛ إن من الصعوبة بمكان الحيلولة دون أن يعود الناس إلى منازلهم ليشرعوا في إصلاح ما لحق بها من أضرار قبل تطهير المنطقة من الألغام، وخاصة بعد مرور كل ذلك الوقت.

وأضاف في تصريح لموقع ميدل إيست آي: “تم تنظيم حملة توعية من قبل الجيش لتحذير الناس من العودة إلى منازلهم، وأقيمت خطوط ساخنة لتمكين الناس من التواصل مع الجيش فيما لو وجدوا متفجرات. لقد توقعنا أن يسارع الناس بعد انتهاء القتال بالعودة إلى بيوتهم، ولذلك نظمنا الحملة وحاولنا إغلاق الأحياء، ومع ذلك فقد وقعت حوادث”.

النازحون من طرابلس

كلما طال المقام بالنازحين من طرابلس، تاقوا أكثر للعودة إلى ديارهم.

تمكن بعض الليبيين ممن لديهم ما يكفي من الموارد من الإقامة مع أصدقاء أو أقارب لهم، وبعضهم استأجروا مساكن مؤقتة، إلا أن الأكثر فقرا اضطروا للإقامة في ملاجئ جماعية أو في مساكن بائسة مستأجرة.

وكما قال ليام كيلي من مجلس اللاجئين الدانماركي: لجأ بعض الناس إلى النوم داخل مبان مدمرة، بسبب القتال أو في بعض المنشآت غير مكتملة البناء.

وقال كيلي: “هناك ظاهرة في غاية الغرابة، وهي أن الليبيين الأفقر وضعا أجبروا على إخلاء منازلهم لإسكان العائلات الأكثر ثراء، والتي تبدي الاستعداد لدفع إيجارات مرتفعة جدا، الأمر الذي نجم عنه نزوح السكان الأصليين.”

لا يتوقع أن يتم إنجاز العمل في القريب العاجل، إذ تعتقد حكومة الوفاق الوطني أن نصف المنطقة الملوثة بالألغام مازالت تنتظر عمليات الفحص والمسح، وهذه تبلغ مساحتها ما يقرب من خمسمائة كيلومتر مربع، مع العلم أن الكثافة السكانية تتضاءل كلما بعدت المنطقة التي يعملون فيها عن مركز مدينة طرابلس.

ومع غياب البنية التحتية التي تمكن من التحقق من أعداد الضحايا وتوثيق ذلك، فإن عدد من قضوا نحبهم في التفجيرات قد يفوق بمراحل الأرقام الرسمية المقترحة. فعلى سبيل المثال، لا تشتمل القوائم المسجلة على العمال المهاجرين، الذين يتم في العادة جلبهم واستخدامهم لتنظيف الأحياء من الركام.

يقول كيلي: “هؤلاء في العادة لا يستفيدون من خدمة الرعاية الصحية، إما لعدم توفر الوثائق لديهم أو لعدم توفر المال، ولذلك فهم لا يتلقون العلاج المناسب أو لا يتم توثيق الحوادث التي تقع لهم.”

ويظل الخطر محدقا ببعض الأماكن غير المتوقعة، ومن أمثلة ذلك أن العاملين في القطاع الطبي في جنوب طرابلس، الذين كانوا يحاولون استخراج إحدى الجثث، وجدوها مفخخة ومجهزة للتفجير.

في العاصمة الليبية.. حتى الأموات يشكلون خطرا على الأحياء.

شاهد أيضاً

الحبري يتقدم بطلب لإحالته للتقاعد لـ عقيلة صالح ويقول: لا نستطيع العمل في ظل هذه الظروف

قدم محافظ المصرف المركزي في مدينة البيضاء علي الحبري استقالة مسببة لرئيس مجلس النواب المستشار …