الأحد , 4 ديسمبر 2022
الرئيسية / مقالات / معهد أميركي: واشنطن تستثمر في دور خفي في ليبيا.. ومخاوف من عودة الانقسام

معهد أميركي: واشنطن تستثمر في دور خفي في ليبيا.. ومخاوف من عودة الانقسام

سلط معهد الولايات المتحدة للسلام الضوء على ملامح الاستراتيجية الأميركية الجديدة للسلام في ليبيا طويلة الأمد، مؤكدا إمكانية الاستفادة من «إظهار الليبيين القدرة على التغلب على الانقسامات وبناء السلام على المستويات المحلية».

ولفت المعهد الأميركي الذي يتبع الكونغرس في تقرير، إلى دور فعال ومخفي يكاد «لا يلاحظه أحد في كثير من الأحيان لمجموعات المجتمع المدني المحلية»، فيما ستكون الخطوة التالية بعد ذلك تطبيق المساعدة الخارجية لإعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات من أجل تنفيذ خارطة طريق للانتخابات.

تهريب الأسلحة بعد 2011
وأوضح التقرير أن ليبيا لا تزال أرضا مقسمة بين الفصائل التي يقودها أمراء الحرب، وتقاتل بدعم من الدول الأجنبية المتنافسة بعد ما يقرب من 11 عاما على الإطاحة بالعقيد معمر القذافي، فيما يتردد صدى عدم الاستقرار في ليبيا على نطاق واسع، مما يسمح بتهريب الأسلحة إلى منطقة الساحل والمهاجرين إلى أوروبا».

وقد فشلت جهود السلام المتكررة في مساعدة الليبيين على تشكيل حكومة وطنية موحدة، ومع ذلك يواصل الليبيون إظهار القدرة على التغلب على الانقسامات وبناء السلام على المستويات المحلية. وتوفر هذه القدرة المثبتة فرصة يمكن توسيعها من خلال قرار حكومة الولايات المتحدة، تثبيت استراتيجيتها المعلنة قبل أيام لتوجيه جهود جديدة لبناء السلام نحو ليبيا.

وعاد المعهد الأميركي لتسليط الضوء على صراع ليبيا عبر مناطقها التاريخية الثلاث، الشرق والغرب والجنوب، بعد الإطاحة بنظام القذافي الذي دام 42 عاما حيث يتصارع الخصوم من أجل السلطة والسيطرة على الموارد، لا سيما حقول النفط في البلاد. وعلى نحو آخر ترك حكم القذافي الليبيين دون إجماع على طبيعة حكمهم إذ ظهرت انقسامات عميقة حول أسئلة أساسية مثل تشكيل دولة مركزية أو فيدرالية.

كما تتراوح أعمار أكثر من نصف السكان بين 15 و40 عاما، مما يخلق مشكلة هائلة تتمثل في البطالة والشباب غير المتعلمين والمعرضين للتجنيد كمقاتلين في الميليشيات أو المنظمات المتطرفة.

القوى الخارجية والصراع الليبي
ووفق معهد الولايات المتحدة للسلام فإن «الأسوأ من ذلك، أن مجموعة واسعة من القوى الخارجية تلعب أدوارا في الصراع، والعديد منها يدعم فصائل مختلفة في الحرب بالأسلحة أو المرتزقة الذين زادوا من العنف». ونقل عن منظمات إنسانية القول إن «800 ألف شخص نازحون على مستوى البلاد – إما ليبيون شردهم القتال أو لاجئون ومهاجرون أجانب – وعدد مماثل بحاجة إلى مساعدات إنسانية».

كما تعثرت أحدث محاولة لمساعدة الليبيين في تشكيل حكومة موحدة العام الماضي بعد أن اختار حوار سياسي تدعمه الأمم المتحدة حكومة موقتة لإجراء انتخابات في ديسمبر. لكن الانتخابات تأجلت والتوترات تتصاعد. فقد عينت إحدى الكتل المتنافسة في ليبيا، ومقرها شرق البلاد، ما أعلنته حكومة وطنية جديدة في مارس، منافسة للإدارة الموقتة القائمة في طرابلس. وبذلك أعادت هذه الخطوة إحياء مشكلة السنوات الأخيرة المتمثلة في ازدواجية المطالبين بالسلطة، وتعكس أيضا تحولا في التحالفات في الصراع الطويل بين مناطق ليبيا.

مخاطر انقسام المؤسسات الليبية
يحذر التقرير الأميركي من خطر تقسيم المؤسسات مجددا، في ظل «مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي، مع الارتفاع الأخير في انتهاكات حقوق الإنسان وخطاب الكراهية والعنف وعكس المكاسب التي تحققت خلال العامين الماضيين».

وبخصوص استراتيجية واشنطن للسلام التي أعلنها البيت الأبيض في الأول من أبريل فإن ليبيا ستكون واحدة من خمس دول أو مناطق قد تواجه العنف حيث ستقدم الولايات المتحدة دعما جديدا لبناء السلام بموجب استراتيجيتها الجديدة (الأولويات الأخرى هي هايتي، وموزمبيق، وبابوا غينيا الجديدة، وخمس دول من الساحل في غرب أفريقيا من بنين إلى غينيا).

وبعد سنوات من الجهود التي أظهرت تقدما ضئيلا للغاية في دفع عجلة السلام في الدول «الهشة» التي تتسم بالعنف المزمن، تتطلب الاستراتيجية الجديدة استثمار طويل الأجل: تقديم التزامات المساعدة لمدة 10 سنوات ضمن استراتيجيات أفضل تنسيقا للتنمية الاقتصادية والبشرية ولحل النزاعات.

الاستثمار في استقرار ليبيا
ورأى معهد السلام أن القرار الأميركي الجديد للاستثمار في المساعدة على استقرار ليبيا يعتبر أمرا حيويا، لأنه مثل الصراعات الأخرى طويلة الأمد، حيث الاضطرابات الليبية تخاطر بفقدان الاهتمام العالمي، لا سيما في ظل انهيار الحكومة في أفغانستان العام الماضي وتصعيد الهجوم الروسي هذا العام في أوكرانيا.

وقد كشف أحدث مؤشر سنوي للدول الهشة أن ليبيا هي الدولة في العالم التي ساء فيها الاستقرار خلال الفترة من 2011 إلى 2021، مما جعلها تحتل المرتبة 17 عالميا أسفل القائمة بالنسبة لمخاطر عدم الاستقرار بين 179 دولة شملها الاستطلاع. وعلى مدار العقد الماضي كانت الدول الخمس الأكثر سوءا هي ليبيا تليها سورية ومالي وفنزويلا واليمن وكلها عانت من الصراع والانهيار الاقتصادي خلال تلك الفترة.

وفي ظل عمل الليبيين في مجال بناء السلام يؤكد المعهد أن الاستثمار الأميركي المستهدف في استقرار البلاد سيكون له حلفاء وإمكانية التأثير. ومن السمات الحيوية لإمكانيات ليبيا ازدهارها الذي لا يلاحظه أحد في كثير من الأحيان لمجموعات المجتمع المدني المحلية.

واستند المصدر إلى إحدى الدراسات التي وجدت أنه في العام 2014، بعد ثلاث سنوات فقط من الإطاحة بالقذافي التي أتاحت إمكانية إنشاء جمعيات تطوعية، كانت 2000 من هذه الجماعات نشطة في ليبيا بمعدل نصيب للفرد ستة أضعاف مثيلها عن العراق وبالتوازي مع مصر.

تدريب بناة السلام في ليبيا
وكشف معهد السلام الأميركي عمله على مدى السنوات الأخيرة، في أجزاء متفرقة من البلاد حيث قام بتدريب بناة السلام، لا سيما بين الشباب ومجموعات المجتمع المدني ثم التحالف مع تلك المجتمعات والسلطات الحكومية المحلية. وبهذه الجهود، بنى الليبيون على مستوى القاعدة السلام في مجتمعاتهم، حتى مع تصعيد الفصائل على المستوى الوطني في البلاد القتال، كما هو الحال حول العاصمة طرابلس، في العامين 2019 و2020.

كما اتحدت الجماعات العرقية المتنافسة، (العرب والأمازيغ)، في جبال نفوسة بغرب ليبيا في العام 2020 لإعادة فتح الطرق واحتواء أفراد المجتمع الذين حوصروا بعيدا عن منازلهم بسبب الإغلاق الناجم عن وباء فيروس كورونا. حيث توصلت المجتمعات التي حاربت بعنف في السابق إلى اتفاق لتقاسم الموارد الطبية في مكافحة الفيروس.

واستشهد أيضا المعهد في العام 2019 بإقناع حركة من دعاة السلام المحليين، بما في ذلك الأم الشجاعة لشاب قُتل في القتال القبلي، زعماء القبائل في مدينة أوباري الصحراوية بإنهاء الحرب المحلية والتوقيع على اتفاق سلام. وبمجرد الاستقرار تمكنت هذه المدينة التي يبلغ عدد سكانها 35 ألف نسمة من بناء سوق مركزي جديد، بتمويل من الأمم المتحدة لتعزيز الاقتصاد المحلي. وهو ما حدث أيضا في مدينة سبها، جنوب ليبيا حيث تعزز السلام بين القبائل في المدينة التي يقطنها 100 ألف شخص.

ويعتقد معهد الولايات المتحدة أن تصنيف واشنطن لليبيا في إطار جهود معززة وطويلة الأمد لبناء السلام سيعيد تركيز صانعي السياسة الأميركيين والموارد الحيوية على حل الصراع. كما يمكنها إحياء الاهتمام الدولي والمساهمات في هذا الجهد. وبذلك يمكن لدولة ليبية أكثر استقرارا واكتفاء ذاتيا أن تلبي احتياجات شعبها، وتقلل من التهريب السري الخطير للمهاجرين إلى أوروبا، وأن تعمل مع شركاء دوليين لمكافحة التطرف والإرهاب. وستكون قادرة على تحمل ضغوط روسيا أو الدول الأخرى التي قد تسعى إلى زعزعة استقرار ليبيا أو جيرانها.

أما الخطوة التالية، وحسب المعهد – ستكون هي تطبيق الدبلوماسية والمساعدة الخارجية لإعادة الأطراف الليبية إلى طاولة المفاوضات من أجل الهدف الأولي الحيوي المتمثل في وضع وتنفيذ خارطة طريق للانتخابات الوطنية، داعيا الولايات المتحدة إشراك الجهات الفاعلة الدولية الأخرى للمساعدة في تحفيز القادة السياسيين الليبيين على حل الخلافات القائمة.

شاهد أيضاً

تشكيل حكومة انتخابات ولجنة حوار وطني في ليبيا.. ما واقعية الطرح؟

أثارت بعض الأنباء الواردة بخصوص مقترح ليبي بتشكيل حكومة انتخابات ولجنة حوار وطني جديدة برعاية …