الإثنين , 26 فبراير 2024
الرئيسية / Normal / غياب المقاربة العادلة للنازحين قسرا في ليبيا

غياب المقاربة العادلة للنازحين قسرا في ليبيا

تعتبر العلاقة بين قطاعي الأمن والعدالة وبين مجتمعات النزوح الليبية مسألة وجودية؛ فوجود مجتمعات النزوح مرتبط بفشل هذه القطاعات في تقديم خدماتها منذ بداية الحرب الأهلية، ورغم المسؤولية المتجددة للحكومات المؤقتة في إعادة رابطة الوحدة الوطنية من خلال عقد اجتماعي توافقي، عمدت هذه الحكومات إلى انتهاج سياسات جاءت على حساب آليات العدالة الانتقالية.

كان لتبني حكومة الوفاق الوطني لاتفاقية المصالحة 2017 بين مصراتة وتاورغاء نتائج عكسية. فعدم استناد الاتفاقية على مقاربة مراعية للعدالة أدّت إلى رفض الغالبية العظمى لسكّان تاورغاء للعودة، رغم مرور ما يقارب خمس سنوات على الاتفاقية. لم ينته الأمر هنا، فسعيا لإغلاق ملف مخيمات النازحين، فوجئ سكّان تاورغاء في أيار/مايو 2022، في مخيمات طرابلس الفلاح 1 و2 والدعوة الإسلامية، بأمر فوري بالإخلاء، هذا الأمر جاء بالتنسيق بين النيابة العامة وجهاز دعم الاستقرار، الذي يصنف كجماعة مسلحة مشرعنة تابعة للمجلس الرئاسي. يُفهم من هذه التحركات، أنها نتيجة سياسة حكومة الوحدة الوطنية تجاه ملف النازحين داخليا، حيث توصف قراراتها بالتعبوية وبعدم التنفيذ.

بعد فشل برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة دمج المسلحين السابقين، ومع استمالة الحكومات المؤقتة للحوكمة الأمنية الهجينة في شرعنة الجماعات المسلحة، أصبح من المستحيل تبنّي أي مبادرة لإصلاح القطاع الأمني ضمن مقاربة مراعية لمبادئ العدالة الأربعة: المساءلة والنزاهة والشرعية وتمكين المواطنين.

فمن حيث المساءلة، عزمت السلطات التشريعية طيلة فترة ما بعد النزاع على تعزيز الحصانة والإفلات من العقاب. تعتبر قوانين العفو العام 35 و 38 لسنة 2012 إحدى العقبات تجاه معالجة إرث انتهاكات حقوق الإنسان. حيث جنّبت هذه القوانين ملاحقة الثوار الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية رغم النتائج التي توصلت إليها لجنة التقصي الدولية في تقريري 2012 و 2014. تباعا، فالقانون رقم 6 لسنة 2015 قام بتوسعة دائرة العفو لتشمل كل الأطراف الليبية.

إضافة لقوانين العفو، تعتبر مادة الحصانة رقم 69 من قانون العقوبات الليبي، أحد الأسباب التي أدّت إلى منع عمليات الفحص داخل القطاع الأمني. ونتيجة لذلك، أدى استمرار تواجد مرتكبي الانتهاكات داخل القطاع إلى فقدانه شرعيته بالنسبة للنازحين.1

علاوة على ذلك، تعتبر مسألة النزاع على ممتلكات وأراضي النازحين قسرا من معايير الحلول الدائمة، التي تظهر مدى تأثير الجماعات المسلحة المشرعنة على عملية إعادة إدماج النازحين. في آذار/مارس الماضي، استهجنت المنظمات الأهلية في بنغازي عمليات الهدم الواسعة في منطقة البلاد التي لم تتبناها أي جهة رسمية، كان ذلك بالتزامن مع التهجير القسري لسكان المنطقة. من ناحية أخرى، فُرضت مبالغ زهيدة لشراء العقارات الخاصة بالنازحين وغيرهم، أدى فرضها لتصاعد الاحتجاجات، والتي تعرّض على أثرها للاعتقال التعسفي مدير المكتب الإعلامي لبلدية بنغازي من قبل كتيبة طارق بن زياد، التابعة لصدام حفتر. رغم إعلان أمراء الحرب رفضهم تجاه السطو على ممتلكات المواطنين منذ انطلاق الحرب الأهلية الثانية، إلا أن الدور المشهود لمجموعاتهم المسلحة في عمليات النهب والهدم يُظهر عكس ذلك.

أما قطاع العدالة، فله دور مكمّل لقطاع الأمن نحو تطوير حلول دائمة في إعادة الإدماج. اتّسم قطاع العدالة بالتسييس وبعدم النزاهة فترة نظام القذافي، ونتيجة، تعددت المطالبات بإصلاحه، إلا أن المجلس الأعلى للقضاء كان له دور سلبي في إعادة بناء الشرعية والنزاهة؛ فقد قام المجلس بإجراءات فحص بديلة لعدد كبير من القضاة دون تحديد معايير واضحة للعزل، يضاف إلى ذلك، إجراءات نقل تعسفية دون موافقة القضاة المعنيين. في المحصلة، لم تقم المحاكم المحلية إلا بمحاكمة الجرائم المنسوبة لأهالي تاورغاء -التي تصفهم القوّات الثورية بالولاء للنظام السابق-، دون محاكمة أي شخصية دفعت سكان المدينة للتهجير القسري أو عرضتهم للتعذيب والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري. ولم يكن الوضع على غرار ما حدث في البوسنة مثلا، حيث ساعد نجاح إعادة الانتخاب القضائي في إزالة الكثير من العقبات القانونية للنازحين، وبالتالي إلى بناء الثقة (الشرعية) بين هذه المجتمعات وقطاع العدالة، فكان أحد العوامل التي شجعت على عودة الأقليات.

على المستوى الدولي، قد تؤدي المبادرات التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى نتائج مماثلة لما تبنّته السلطات المحلية. ضمن اجتماعات اللجنة العسكرية 5+5، ركّزت البعثة على عودة النازحين داخليا في اجتماع بنغازي في 7 نيسان/أبريل الماضي، لكن عدم إدراجها مقاربات لمعالجة إرث الانتهاكات الماضية ضمن أجندة الاجتماعات، قد يكرر مخرجات اتفاقية مصراتة وتاورغاء في حالة النازحين داخليا من المنطقة الشرقية.

يتّضح مما سبق، أن عدم بناء الثقة بين المجتمعات النازحة وبين قطاعي الأمن والعدالة، وتجاهل تدابير الفحص الفعالة من خلال مبدأ المساءلة، إضافة لعدم انتهاج مقاربة شاملة للعدالة في إصلاح القطاع الأمني، مل هذا سيعرض أي مبادرة مزمعة لعودة النازحين في ليبيا إلى الفشل في إعادة الإدماج إلى جانب إخراج مجتمعات نازحة جديدة في ظل استمرار الانقسام السياسي.

ملاحظة:

1- تم تسليط الضوء على المادة 69 في تقرير اللجنة الوطنية للحقوقيين(ص59 من النسخة الإنجليزية. إذ عدها الحقوقيون عائقا أمام السلطة التشريعية لصياغة مواد تتعلق بالفحص أو التدقيق ضمن قوانين العدالة الانتقالية.

لا تتّخذ مؤسسة كارنيغي مواقف مؤسّسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الدراسة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر المؤسسة، أو فريق عملها، أو مجلس الأمناء فيها.

شاهد أيضاً

مجلس الأمن يمدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لمدة عام

اعتمد مجلس الأمن الدولي، اليوم الإثنين، قرارًا «بالإجماع» تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في …